رسّخ نظام الإفلاس السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/50) عام 1439هـ/2018م منظومة قانونية متكاملة لمعالجة تعثر الشركات، غير أن فجوة جوهرية لا تزال قائمة بين مرحلة النمو الطبيعي للشركة ومرحلة دخولها الإجراءات الرسمية، وهي فجوة الإنقاذ المبكر قبل الوصول إلى التعثر أصلاً.

حدّد النظام سبعة إجراءات رئيسية تتدرج في شدتها: التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية، إضافة إلى نظيراتها المخصصة لصغار المدينين، والتصفية الإدارية. وتُعدّ التسوية الوقائية أخفّ هذه الإجراءات على المدين، إذ تتيح له التوصل إلى اتفاق مع دائنيه مع الاحتفاظ بإدارة نشاطه، وتُوصف وفق ما جاء في الأدبيات القانونية المتخصصة بأنها «أداة إنقاذ للمدين المتعثر الذي لم تتدهور حالته المالية، ومازال الأمل قائماً في إصلاح حالته وإزالة أسباب تعثره». أما إعادة التنظيم المالي فتمثل مرحلة أعمق تخضع فيها المنشأة لإشراف أمين متخصص مع ترتيبات تفصيلية لإعادة هيكلة الالتزامات والأصول.

آليات النظام وضوابطه الزمنية

منح النظام المحكمة التجارية المختصة مهلة أربعين يوماً كحد أقصى للبت في طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية من تاريخ قيد الطلب، فيما ألزمها بإبلاغ المدين بموعد الجلسة خلال خمسة أيام. وفي حال رفض المحكمة الطلب، يملك كل ذي مصلحة أربعة عشر يوماً للطعن أمام محكمة الاستئناف التجارية. واشترط النظام ألا يكون المدين قد خضع لإجراء مماثل خلال الاثني عشر شهراً السابقة لتقديم الطلب، كما منح المحكمة صلاحية رفض الطلب إذا ثبت سوء نية مقدّمه أو ارتكابه أفعالاً مجرّمة.

النموذج العالمي وما يغيب عن المنظومة السعودية

اعتمد نظام الإفلاس السعودي نموذجاً أقرب إلى الأنظمة الأنجلوسكسونية في تركيزه على الإنقاذ بدلاً من الاقتصار على التصفية، وهو تحول جوهري عن المنظومة السابقة التي ارتبطت أساساً بأنظمة التنفيذ والتصفية التقليدية دون إطار شامل لإعادة الهيكلة القضائية. وفي دول كجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة، تتضمن أنظمة الإفلاس إجراءات رسمية تُعرف بـ Business Rescue وAdministration، تضع الشركات القابلة للاستمرار تحت إدارة متخصصة لفترة محددة بغرض إعادة الهيكلة أو إنقاذ القيمة الاقتصادية قبل التصفية. وتقوم هذه المنهجيات على مبدأ أن التعثر لا يعني بالضرورة فشل الشركة، وأن الكثير منها يمتلك مقومات النجاح لكنها تواجه أزمة سيولة أو تحديات إدارية أو عوامل خارجية طارئة.

وتكمن الفجوة الحقيقية في غياب منصة أو برنامج متخصص يعمل في مرحلة سابقة لإجراءات النظام كلها، يرصد مؤشرات التعثر المبكر، ويقيّم قابلية الشركة للاستمرار، ثم يوجّهها نحو إعادة الهيكلة أو الاندماج أو الاستحواذ أو جذب المستثمر المناسب قبل أن تضطر إلى طرق أبواب المحاكم. وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات العربية المتحدة أقرّت بدورها أنظمة إفلاس وإعادة هيكلة حديثة خلال الفترة 2016-2020 تضمنت آليات مماثلة للتسوية الوقائية، في سياق التنافس الإقليمي على تحسين بيئة الاستثمار.

وتوقّع مركز دراسات الأعمال الخليجية في تقريره الصادر في سبتمبر 2023 أن تزداد الحاجة في السعودية إلى منصات متخصصة في إدارة إعادة الهيكلة والإنقاذ المبكر للشركات، مكمّلةً لإجراءات نظام الإفلاس الرسمي، مع تطور سوق الاستحواذات والاندماجات. وتستند هذه التوقعات إلى حجة اقتصادية واضحة: إنقاذ شركة قائمة يحافظ على الوظائف والخبرات والاستثمارات والقيمة الاقتصادية المتراكمة على مدى سنوات، وقد يكون أقل تكلفة وأكثر أثراً من تأسيس شركة جديدة من الصفر.