أرسى القضاء السعودي جملةً من المبادئ القضائية الملزمة التي تُسقط الاعتراف المنتزع تحت الإكراه من دائرة الأدلة المعتبرة، وتحظر البناء عليه في أي حكم جنائي، مستنداً في ذلك إلى نصوص نظامية صريحة ومبادئ فقهية راسخة تشترط حرية الإرادة شرطاً جوهرياً لصحة الإقرار.

كرّس المجلس الأعلى للقضاء هذه القاعدة في ثلاثة مبادئ قضائية متتالية صدرت مطلع العقد الهجري 1420-1421هـ؛ إذ قرّر المبدأ رقم (2285) الصادر بتاريخ 22/12/1420هـ أن «مجرد الإقرار المحض إذا اكتنفه شبهة يكون فيه نظر»، ثم جاء المبدأ رقم (2286) الصادر في التاريخ ذاته ليضيف أنه «إذا دفع المدعى عليه بالإكراه على الاعتراف، ووجدت آثار فيه تورث الشبهة فيحتاط لذلك»، وأحكم المبدأ رقم (2287) الصادر بتاريخ 9/2/1421هـ هذه المنظومة بنص قاطع: «إذا ثبت أن الاعتراف حصل عن طريق الإكراه، فلا يبنى عليه حكم».

النصوص النظامية الحاكمة

جاء نظام الإجراءات الجزائية السعودي ليُدرج هذه القاعدة الفقهية في نص ملزم لجميع جهات الضبط والمحاكمة؛ فنصّت المادة (102) صراحةً على أنه «لا يُعتد بأي قول صدر من المتهم تحت وطأة الإكراه أو التهديد»، فيما حظرت المادة (118) من النظام ذاته التعذيب والمعاملة القاسية، وربطت بين بطلان الاعتراف المنتزع بالإكراه وبين المسؤولية القانونية عن ممارسة الإكراه غير المشروع. وأوضح مقال قانوني متخصص نشر في أبريل 2026 أن أي دليل على حصول الاعتراف بالإكراه أو العنف يؤدي إلى إهداره فوراً في الاستدلال القضائي.

وحين يُنكر المتهم التهمة المنسوبة إليه أو يمتنع عن الإجابة، ألزمت المادة (162) من نظام الإجراءات الجزائية المحكمةَ بأن تشرع في النظر في الأدلة المقدمة وتجري ما تراه لازماً في شأنها، وأن تستجوب المتهم تفصيلاً في شأن تلك الأدلة وما تضمنته الدعوى، مع إتاحة الحق لكل من طرفي الدعوى في مناقشة شهود الطرف الآخر وأدلته بإذن من المحكمة.

نظام الإثبات وعبء الإكراه

أضاف نظام الإثبات السعودي الصادر في ديسمبر 2021 بُعداً إجرائياً دقيقاً لهذه المسألة؛ إذ ميّز بين الإقرار القضائي وهو اعتراف الخصم أمام المحكمة بواقعة مدعى بها عليه أثناء السير في دعوى متعلقة بها، وبين الإقرار غير القضائي. وحمّل النظام عبء إثبات وجود عيب في الإرادة كالإكراه أو الغلط أو التغرير على من يدعيه، وفق ما نصّت عليه المادة الثانية والثلاثون من الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات التي نشرتها الجريدة الرسمية «أم القرى» في أكتوبر 2022. ويعني ذلك عملياً أن المتهم الذي يدّعي انتزاع اعترافه بالإكراه يتحمل مسؤولية تقديم ما يُثبت ذلك أمام القضاء.

وقرّر الفقه القضائي السعودي أن الاعتراف الذي يُعوَّل عليه كدليل إثبات يجب أن يكون «اختيارياً صادراً عن إرادة حرة، فلا يصح التعويل على الاعتراف ولو كان صادقاً متى كان وليد إكراه أو تهديد كائناً ما كان قدره»، وهي صياغة نقلها موقع «أحكام دوت كوم» عن مبادئ القضاء السعودي في فبراير 2020، وتعكس أصلاً فقهياً إسلامياً راسخاً يحظر انتزاع الإقرار بالإكراه ويُبطل أثره.

وفي يناير 2019، نشرت وزارة العدل السعودية قراراً للمجلس الأعلى للقضاء بعنوان «لا عقوبة للشبهة.. إما إدانة أو براءة»، يُكرّس مبدأ بناء الإدانة على اليقين لا على الشك، ويضع الاعتراف المشوب بالشبهة ضمن الأدلة التي لا تكفي لتوقيع العقوبة. وقد وثّقت شركة نوماس للمحاماة في أكتوبر 2024 تطبيق المبادئ القضائية الثلاثة (2285 و2286 و2287) في قضايا إنكار الاعتراف أمام القضاء، ثم عادت في أغسطس 2025 لتوضح توظيف المبدأ (2287) تحديداً في الطعن ببطلان الاعتراف في قضايا المخدرات.