أقرّ نظام المعاملات المدنية السعودي في مادته 137 حق المتضرر في المطالبة بالتعويض عن الكسب الفائت، وهو الأساس النظامي الذي يُدرج ضمنه الفقه القانوني السعودي حالات فوات الفرص، إذ تنص المادة على أن الضرر الذي يلتزم المسؤول بتعويضه يتحدد بما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب، متى كان ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار ولم يكن في مقدور المتضرر تفاديه ببذل الجهد المعقول الذي يقتضيه ظرف الحال.
وعرّفت الدراسات القانونية السعودية ضرر فوات الفرصة بأنه ضرر قائم في ذاته، يتمثل في ضياع إمكانية واقعية ومشروعة لتحقيق كسب أو تفادي خسارة نتيجة فعل ضار من الغير، مؤكدةً أن محل التركيز هو الفرصة نفسها لا مجرد الكسب المحتمل. وفي هذا السياق، أوضح مقال قانوني متخصص نُشر في يوليو 2026 أن «التعويض عن تفويت الفرصة في السعودية مطالبة دقيقة تقع بين الضرر المحقق والنتيجة المستقبلية غير المضمونة»، مشيراً إلى أن النظام لا يستخدم مصطلح «تفويت الفرصة» كفئة مستقلة، لكنه يغطيها ضمن إطار الكسب الفائت.
شروط المطالبة بالتعويض عن فوات الفرصة
حدّد الفقه القانوني السعودي خمسة شروط أساسية لقبول دعوى التعويض عن فوات الفرصة: أولها وجود مسؤولية تقصيرية أو عقدية، وثانيها أن تكون الفرصة حقيقية وجدية قائمة بالفعل لا مجرد أمل بعيد، وثالثها تحقق فقدان الفرصة فعلياً، ورابعها قيام علاقة سببية مباشرة بين الفعل الضار وفوات الفرصة، وخامسها وجود ضرر يمكن تقدير قيمة التعويض عنه بأدلة قابلة للفحص. وتبرز أمثلة تطبيقية متعددة لهذه الدعاوى، من بينها: تفويت فرصة إتمام صفقة تجارية، وضياع فرصة المشاركة في منافسة أو مناقصة كان من المحتمل أن تُدرّ كسباً مادياً، وتفويت فرصة الحصول على منفعة مشروعة.
وفي السياق الإداري والوظيفي، قد تظهر دعاوى فوات الفرصة أمام ديوان المظالم حين يتعرض موظف للحرمان من تعيين أو ترقية بسبب قرار إداري غير مشروع، كما تختص المحاكم العمالية بالنظر في مطالبات العمال ضد أصحاب العمل حين يُفوَّت عليهم حق وظيفي بسبب أخطاء إدارية.
آلية تقدير التعويض وصعوباته العملية
قرّر الفقه المقارن أن التعويض عن فوات الفرصة يكون جزئياً لا كاملاً، إذ يُمنح المتضرر نسبة من قيمة الكسب المحتمل تعكس قوة احتمال تحققه، لا قيمة الصفقة أو الربح بأكمله. وأوصت الدراسات التطبيقية بأن يقدّر القاضي التعويض وفق نسب ترجيح مختلفة مرتفعة أو متوسطة أو ضعيفة تبعاً لجدية الفرصة والأدلة المتاحة، دون أن يربط ذلك بأرقام محددة منصوص عليها في النظام. وأكدت الأبحاث المتخصصة أن تقدير قيمة الفرصة الضائعة يمثل الصعوبة العملية الأبرز في هذه الأحكام، لأن على القاضي أن يوازن بين حماية المتضرر من الحرمان من فرصة جدية وبين تجنب تحويل الاحتمالات المستقبلية إلى يقين مالي كامل، مما يستدعي في بعض القضايا التجارية والاستثمارية الاستعانة بخبرات فنية واقتصادية.
وقد رسّخ القضاء المدني المقارن هذا التوجه، إذ قضت محكمة النقض المصرية بأن «الفرصة وإن كانت أمراً محتملاً فإن تفويتها أمر محقق»، مقررةً أن القانون لا يمنع من إدخال ما كان المضرور يأمل الحصول عليه من كسب ضمن عناصر التعويض متى كان الأمل قائماً على أسباب مقبولة وفقاً للمجرى الطبيعي للأمور، وهو حكم أثّر في الفقه العربي والخليجي.
وتجدر الإشارة إلى أن الفقه الإسلامي تناول مسألة فوات المنفعة ضمن باب الضمان وجبر الضرر، مقرراً أن من أتلف سبباً مشروعاً لكسب أو منفعة يضمن ما فات صاحب الحق من منافع بحسب ما يغلب على الظن، وهو ما وفّر أساساً شرعياً لتطوير نظرية تعويض فوات الفرصة في الأنظمة المستندة إلى الشريعة الإسلامية كالنظام السعودي. وتوقع باحثون قانونيون خليجيون أن يؤدي تطبيق نظام المعاملات المدنية، مع نصه الصريح على الكسب الفائت، إلى زيادة لجوء المتقاضين إلى المطالبة بالتعويض عن فوات الفرص التجارية والاستثمارية أمام المحاكم، مع تطور تدريجي في الاجتهادات القضائية لتحديد معايير الجدية والاحتمال في هذه الدعاوى.
