رصد العرب منذ ما قبل الإسلام نجم سهيل (Canopus) في الأفق الجنوبي الشرقي قرب الرابع والعشرين من أغسطس كل عام، وجعلوا من طلوعه قبيل شروق الشمس علامةً فارقة على انقضاء ذروة الصيف وبداية التراجع التدريجي للحرارة، في غياب تام لأي أجهزة رصد جوي.

وبحسب العربية، يظهر النجم في العروض الوسطى للمملكة العربية السعودية حول الرابع والعشرين من أغسطس تقريباً، ويُعدّ ذلك في تقويم الأنواء الشعبي بداية موسمه الذي ينتظره أهل الجزيرة العربية بوصفه بشارة بانكسار «موسم القيظ».

يحتل سهيل المرتبة الثانية بين ألمع نجوم السماء الليلية بعد الشعرى اليمانية (Sirius)، إذ تبلغ درجة لمعانه الظاهري نحو 0.72 إلى 0.74 على مقياس القدر النجمي وفق ما رصدته موسوعة بريتانيكا، فيما تضعه قياسات قمر هيباركوس الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية على مسافة تقارب 310 سنة ضوئية من المجموعة الشمسية، ويفوق لمعانه الكلي لمعان الشمس بنحو 10,700 مرة. ويقع النجم فلكياً في كوكبة القاعدة (Carina) في السماء الجنوبية، ويُعرف باسم Alpha Carinae.

ربط أهل الجزيرة العربية طلوع سهيل بجملة من التحولات الموسمية المتزامنة؛ فقد لاحظ الفلاحون والرعاة ارتباطه بزيادة مياه الآبار، ووفرة التمور التي تكتمل نضجاً في أواخر الصيف، وانحسار العواصف الرملية وهبوب «هبايب المرزم»، فضلاً عن بدء اخضرار بعض النباتات الصحراوية. وقد وثّقت جريدة الرياض في مادة نشرتها عام 2011 هذا الموروث بقولها إن «الفلاحين والرعاة وجل سكان الجزيرة العربية كانوا على موعد مع سهيل يتحرون رؤيته لما لموسمه من أهمية في حياتهم». وتزامن ظهور النجم مع تناقص ساعات النهار وازدياد ساعات الليل، وبداية ارتفاع الرطوبة النسبية مقارنة بذروة الصيف، مما جعله مؤشراً موسمياً معتمداً قبل وجود الأرصاد الحديثة.

من الصحراء إلى البحر: سهيل دليلاً للاتجاهات

تجاوز دور سهيل حدود التقويم المناخي ليصبح أداةً للملاحة في الصحارى والبحار على حدٍّ سواء، إذ استعان به العرب لتحديد اتجاه الجنوب بفضل وضوحه في السماء الجنوبية. واستثمر البحار العربي الشهير أحمد بن ماجد السعدي في القرن الخامس عشر الميلادي موقع سهيل ضمن منظومة النجوم الملاحية للإبحار في المحيط الهندي والخليج العربي. وأشارت مجلة الثقافة الشعبية البحرينية في دراسة نشرتها في أكتوبر 2024 إلى أن علماء الفلك المسلمين في العصور الوسطى وظّفوا موقعه للمساعدة في تحديد اتجاه القبلة عبر معرفة الجنوب ومنه باقي الجهات.

وتمتد جذور تعظيم سهيل إلى ما قبل الإسلام، حين نُسب إليه صنم يحمل اسمه في الجاهلية، مما يدل على أن بعض العرب منحوه قدسية دينية إلى جانب دوره العملي. وقد حضر النجم بكثافة في الشعر العربي القديم والأمثال الشعبية، ومنها المثل المتداول في شبه الجزيرة العربية «إذا طلع سهيل لا تأمن السيل»، الذي يربط ظهوره ببداية مواسم الأمطار واحتمال جريان السيول. ويكشف استمرار تغطية الصحف الخليجية لهذا النجم حتى اليوم، من جريدة الرياض إلى مجلة الثقافة الشعبية البحرينية، أن هذا الموروث المشترك بين دول الخليج لا يزال حياً في الوعي الجمعي رغم توفر تقنيات الأرصاد الحديثة.